أحدث الإصدارات


 

 

 

الدماغ والديانات


هل يمكن للشأن الديني أن يكون مبحثا للمقاربة العلميّة؟ أيّ مشروعيّة للدين خارج الدماغ
البشري؟ ما الفرق بين الذوات المولعة بالفهم والكيانات المهووسة بالإيمان؟ هل يمكن للدين
أن يكون علما؟
تلك هي الإشكالات التي يطرحها المؤلّف للتمييز بين قلق السعي إلى التفسير العلمي
وطمأنينة الاعتقاد، منطلقا من التمييز النيتشوي بين ” الذين يريدون أن يفهموا وأولئك
الذين يرغبون في أن يؤمنوا”، فالدماغ البشري وفقا للمعنيين بالفهم “يمثّل حسب الكاتب
” تتويجا لتطوّر طويل جدا للكائن الحي”، منطلقه في ذلك فروع علم البيولوجيا، خاصّة
بيولوجيا النمو، والبيولوجيا التطوّريّة وكذلك علم الحفريات، إذ تمكّن طاولة
التشريح العلمي برأي الطبيب رفيق بوخريص من “مشاهدة التغيّرات التشريحيّة التدرجيّة
في الدماغ بوضوح” ، ويكون ذلك عبر “مراجعة السلسلة الحيوانيّة، من أدمغة الحيوانات
الأكثر بدائيّة إلى الدماغ البشري” .
لقد نجحت المقاربات العلميّة في رسم خرائط أوّليّة للدماغ تؤكّد حسب المؤلّف طبيعة
الروابط الكهربائيّة والناقلات العصبيّة التي تحكم مكوّناته المختلفة، حيث مكّنت بحوث
العلماء من تحديد ” التكيّف الوظيفي التطوّري” للبنية الدماغيّة، كما تقوم عديد المجموعات
البحثيّة بجهود متواصلة من أجل رسم الخارطة الدماغيّة الدقيقة . وعليه يميّز الكاتب بين
الأطروحات المثاليّة المسلّمة بالوعي ظاهرة “مختلفة تماما عن الجسم المادي”،
والمقاربات العلميّة المدركة للفكر نتاجا لنشاط الخلايا العصبيّة في الدماغ وطبيعة
تفاعلاتها الفيزيائيّة والكيميائيّة، لنستخلص الهوّة بين التأويل الميتافيزيقي والفهم العلمي .

 

دراسات أدبيّة: مباحث، أشكال وشخصيات أدبيّة

اهتمّ الكاتب في الجزء الأوّل بالآداب الفرنسيّة ونماذج أدبيّة مغاربيّة لأدباء ومبدعين فرنكوفونيين مثل الجزائري رشيد بوجدرة والمغربي محمّد خير الدين والروائي التونسي مصطفى التليلي، متناولا خصوصيات تلك الأعمال الرافضة للنزعة الامتثاليّة تأثّرا بالأعلام الغربيّة التحديثيّة، كنصوص سبعينات القرن العشرين حيث ظهرت إبداعات تجاوزيّة للمدوّنة الأدبيّة السائدة، فالآداب والفنون وفقا للمؤلّف آليّة نصر على القوى الساعيّة إلى سحق الإنسان والاعتداء على كرامته .
وفي سياق براكسيسيّة النص الأدبي قاومت تلك الأعمال الأدبيّة حسب الكاتب الأوتوقراطية ومظاهر التطرّف والسلوك البطرياركي دفاعا على قيم الحريّة والمواطنة، وللبرهنة على وجاهة مقاربته انطلق الأستاذ بوقرّة من التجربة الجزائريّة خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين حينما قاد “التطرّف الديني” إلى حرب أهليّة ، فلم تكن نصوص رشيد بوجدرة وياسين كاتب ورشيد ميموني مجرّد فنون للمتع الاستيتيقيّة حسب المؤلّف، بل كانت نقديّة لأزمات اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة واستعماريّة .
وخصّص الجزء الثاني للدراسات البروستينيّة والفن الأدبي، حيث يمثّل الأثر رحلة في تضاريس روائع الفنون وعلاقتها بالكوميديا الإنسانيّة، إلى جانب إشكالات أسطورة الخلق الفني والأبعاد الإستيتيقيّة، ومسيرة البحث عن الزمن المفقود لدى الروائي والمبدع الفرنسي مارسيل بروست، الذي عاش أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .

 

رحلة اليوسي

يمثّل الكتاب مرجعا أساسيّا في مجال أدب الرحلة بوصفه إبداعا يتخطى سرد السيرة الذاتيّة
مدوّنا الوقائع التاريخيّة بأبعادها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ففي هذا السياق تؤكّد
مضامين المؤلّف تعدّد الرحلات الحجيّة البريّة بسبب صراع العثمانيين والإسبانيين في
السواحل المغربيّة من أجل الهيمنة على مضيق صقليّة . وعليه تكون رحلة اليوسي(1690
1691م) مدوّنة معرفيّة وتاريخيّة للباحثين، من مؤرّخين وأنتروبولوجيين وسياسيين الخ
لأنّها وثيقة مفعمة بحقائق تجمع بين الجغرافيا في شكل دليل سياحي، والتاريخ بما تضمّنت
من توثيق للأحداث، لذلك اعتبرها المحقّق أحمد الباهي أحد أهم الفنون الأدبيّة التي ميّزت
بلاد المغرب منذ المرحلة الوسيطة ، قائلا في هذا الصدد “يمثّل هذا الكتاب حلقة مهمّة في
سلسلة الرحلات الحجيّة والحجازيّة التي دوّنها المغاربة بمناسبة قيامهم بفريضة الحجّ
أو طلب العلم” .

فتنة الجهاد: العنف والشبيبة المهملة

قد يقود المأزق النفسي إلى سلوكيات تتخطى المتوقّع وأفعال عنيفة غير متخيّلة
تستوجب طرح الأسئلة التاليّة:
لماذا يقرّر شاب في لحظة ما التخلي عن كل شيء من أجل غواية الجهاد؟ كيف
تستقطبه المنظّمات الإرهابيّة؟ لماذا تنجح مجموعات الموت في مصادرة حقّه في
الحياة عبر شعارات الشهادة وطريق اللّه و الجهاد؟ هل من مبرّرات لسيكولوجيّة
الانتقام؟
يجيب الكتاب عن هذه الأسئلة متضمّنا مقاربات علميّة تشخّص طبيعة المآزق
النفسيّة المتمثّلة في سيكولوجيات محبطة وإمكانيات ذهنيّة تتّسم بالفراغ نتيجة
لواقع أسري لم يحسن الإحاطة التربويّة ونسيج اجتماعي مهمّش للفعل الثقافي
ولم يوفّر مقوّمات الوجود السوي لشبابه . ومن الطبيعي أن ييسّر هذا الواقع
مهام المنظّمات الإرهابيّة كي تقوم برسالتها التخريبيّة والتدميريّة مستثمرة
فئات مخذولة سياسيا واقتصاديا ومعرفيا، لذلك يدعو الكتاب إلى ضرورة معالجة
الظاهرة بنجاعة كي ننقذ الشباب والعالم من إثم التعصّب الديني والإرهاب العابر
للحدود .

محاضرات بيت الحكمة 2016-2017couverture Les conférences de Beit al-Hikma-imp يتضمّن الكتاب فعاليات ندوات فكريّة ولقاءات علميّة ومحاضرات أدبيّة وفنيّة نظّمتها الأقسام العلميّة بالمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” على امتداد سنتي 2016-2017.
ركّزت مضامين الكتاب على قضايا التجديد في النص الدّيني وسؤال المنهج في قراءة المصحف والمقاربة الفيلولوجيّة والفلسفة والقرآن، إلى جانب قضايا أدبيّة وتاريخيّة وجديد البحوث العلميّة كالعلاج المناعي للسرطان.
الجمود والتجديد في قوّتهما couverture Les conférences de Beit al-Hikma-imp لماذا لا يكون لكم إلاّ عمل واحد هو هدم كل فكرة يبديها غيركم لمصلحة الأمّة . . وتسمّون المجدّدين بالهدّامين، ويكون عكس هذا أنّكم أنتم البنّاؤون؟ تلك هي الإشكاليّة التي طرحها الطاهر الحدّاد في نصّ مجهول نشره مجمع “بيت الحكمة” ويؤكّد الأستاذ عبد المجيد الشرفي في التقديم العثور على هذه الوثيقة ضمن الآثار التي خلفها صديق الحدّاد أحمد الدرعي . يعتمد الحدّاد أسلوبا ساخرا يترجم جمود الوثوقيين وفوضى المفاهيم و”استعمال الدين آلة لإنزال سخط العامة الذين هم أحوج إلى الإرشاد الصحيح من أن نستعملهم آلات قتل”، ويوضّح عداء المضلّلين لكل تجربة تحديثيّة وتحرّريّة، إذ تشهّر تلك القوى الجامدة بالعلماء والمفكرين التنويريين وتلعن من حرّم الرق لأنّه حرمها من مقوّمات العيش الرغيد، ولا يستوعب الوعي المغلق المرأة إلاّ “كمخلوقة طائشة” وناقصة عقل ودين وميراث وفي هذا السياق يتهكّم المؤلّف من هؤلاء واصفا إيّاهم بالمفسدين والعابثين “بشرع الله”، ومن الطبيعي أن يقود هذا الجمود برأيه إلى “التطوّر إلى الأسفل” . كذا هو كتاب “الجمود والتجديد في قوّتهما” وكأنّه المرآة التي عبرها نشاهد ما يحدث اليوم من حملات تكفيريّة تستثمر كل المنابر لمصادرة التفكير النقدي والمقاربات التجديديّة .
المشهد في جميع تجلياته

تتنزّل دراسات الكتاب ضمن المقاربات العلميّة للأشكال التعبيريّة المختلفة، من صورة وجسد ورموز لغوية تختزل مظاهر التصعيد وتفريغ المشاعر والانفعالات، أي ما يعبّر عنه بالسيكودراما. ويبرز المؤلّف ارتهان أفعالنا بالدوافع الجينيّة والتنشئة الاجتماعية بوصفها آليات ضبط قد تجعل من بعض الأفراد مجرّد دمى، ممّا يفسّر وفقا لبعض الدراسات الواردة بالكتاب تعلّق الكيان الإنساني بسحر الركح واكتشاف الأنا عبر الفن الخلاّب، وولعه بالوضوح وإن سيجته العتمة.
باختزال شديد يوضّح مختصون في الفنون، وخبراء العلوم الإنسانية عموما وعلم النفس خصوصا من خلال دراساتهم الواردة في الأثر الوظائف العلاجيّة للمنابر التعبيرية، كاشفين ثراء الخطاب لأنّه قصدية متعدّدة المعاني، يتقاطع فيها الذاتي مع الموضوعي والخيالي مع الواقعي.

Download the PDF file .