الإحتفال بسبعينية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
الأربعاء 12 ديسمبر 2018

بيت الحكمة 

يحتفل بسبعينيّة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

 

إلى أيّ مدى نجح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في تكريس الحقوق الأساسيّة الكونيّة؟ هل يحقّ للدوّل الممضيّة على المعاهدات والمواثيق الدوليّة التعلّل بدساتيرها كي تتملّص من الالتزام بحقوق تضمّنها هذا الإعلان العالمي؟ بأيّ حقّ نلتزم ببعض التوصيات والتشريعات بحجّة انخراطنا في المنظومة الحقوقيّة العالميّة، ونهاجم كل مبادرة حقوقيّة ساعية إلى تدعيم مسار الحقوق الفرديّة؟ أليست المساواة قيمة مركزيّة في المسار الحقوقي؟ بأيّ منطق نبرّر انتهاك ثوابت حقوقيّة بمزاعم الخصوصيّة؟ هل يجوز إلزام التشريع بالاعتبارات الإثنيّة واللغويّة وخصوصيّة الهويات؟ ما الجدوى من الإمضاء على المعاهدات الدوليّة؟

أثيرت هذه الأسئلة في رحاب المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” في أمسيّة فكريّة دسمة، نظّمها مؤخّرا المجمع بالاشتراك مع الجمعيّة التونسيّة للأمم المتحدة والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان احتفالا بسبعينيّة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. افتتح فعاليات اللقاء رئيس المجمع الأستاذ عبد المجيد الشرفي مؤكّدا أهميّة الاحتفال ” لأنّ عديد الأصوات أصبحت تشكّك في منظومة حقوق الإنسان وجدواها” بناء على الانتهاكات الكبرى للمسائل الحقوقيّة، كما بيّن حجم مسؤوليتنا جميعا “في التزامنا بهذه الحقوق”، فهي كونيّة ولا علاقة لها بالعوامل الجغرافيّة واللغويّة والإثنيّة وفقا لمفرداته. إنّها مسيرة نضاليّة ضد بنية ذهنيّة قمعيّة تستمدّ نفوذها من مشاريع ثقافيّة استبداديّة وقوى تتصادم مصالحها مع قيم الحريات، لذلك اعتبر رئيس الجمعيّة التونسيّة للأمم المتحدة في كلمته الترحيبيّة المسار الحقوقي مسؤوليّة مشتركة تتحمّلها القوى المؤمنة بقيم العدالة والحرية والمساواة والقوانين الأمميّة. وفي سياق حتميّة الالتزام بتلك القوانين العالميّة انطلق الأستاذ سليم اللّغماني في مداخلة حول القانون الدولي لحقوق الإنسان في تقرير لجنة الحريات الفرديّة والمساواة من شعار مفاده “القانون الدولي ملزم للقوانين الداخليّة”.  فلا يمكن أن تكون مبادئ حقوق الإنسان سامية أحيانا، وقابلة للشيطنة أحيانا أخرى لعلل تنهل من الديني والإيديولوجي ورهانات اللعبة السياسيّة والمنطق التعبوي الانتخابي. و من العبث أن تتنكّر الأنظمة لمعاهدات واتفاقيات دوليّة بذرائع دستوريّة وخصوصيات الثقافة والهويّة الخ . . فالحقوق الفرديّة التي تضمّنها تقرير لجنة الحريات الفرديّة والمساواة مستندة برأي الأستاذ اللّغماني إلى التزامات تونس الدوليّة، إذ قال في هذا الصدد “تونس ملزمة دوليا بالمساواة في الميراث . . وبموجب اتفاقيّة مناهضة التعذيب ملزمة بإيقاف الفحص الشرجي القسري”.  لنستنتج ممّا تقدّم مفارقات الأصوات المعارضة والمهاجمة لقيم الحريات الفرديّة، على الرغم من أنّ أغلب تلك القيم وليدة الخطاب الإصلاحي التونسي كما ورد في مداخلة صلاح الدين الجورشي بعنوان “البحث عن الفرد وحرياته في الخطاب الإصلاحي التونسي”، منسجما في ذلك مع مقاربة الباحثة في المجال القانوني سلوى الحمروني، المنطلقة في محاضرتها من مضامين عهد الأمان الداعمة لقيم المساواة بقطع النظر عن الخصوصيات والأجناس.

كذا هو الحق الإنساني قيمة كونيّة لا يحتمل الكثير من السجال إن حرّرناه من حسابات السياسيين، ومناورات المستثمرين، وضغوط اللوبيات المحتكرة لصناعة الرأي العام وكتابة حروف التاريخ وفقا لاستراتيجيات الأقوياء والمنتصرين، لكن شموع الحقيقة أقوى من عتمة التزييف، فالحريات تفتك ولا تهدى، لذلك ستستمر رحلة النضال الحقوقي نحو مرافئ اللاّنهائي.