أحدث المنشورات


بيت الحكمة ينصف قامة فكريّة وإبداعيّة موسوعيّة أهملها النقّاد

نقد بجرأة دعاة التقليد وأنصار الجمود، واجه التخلّف في مظاهره الفكريّة والسياسيّة والدينيّة، دحض الأطروحات الرجعيّة، قاوم الاستعمار، طرح في كتاباته بعمق ووضوح قضايا الشأن العام، ناقش في أعماله الفكريّة والإبداعيّة المحظور السياسي والأخلاقي والديني، تميّز في جل الأجناس الإبداعيّة والفكريّة، كتب أغلب نصوصه في النصف الأوّل من القرن العشرين لكن معجمه ينهل من مفردات قضايانا الراهنة، كان نصيرا للكادحين ولقيم  المساواة والعدالة الاجتماعيّة والحريات الفرديّة إيمانا منه بمقوّمات المواطنة .   كذا هو المفكّر والأديب التونسي أحمد الدرعي، الذي لم تحظ أعماله باهتمامات النقّاد، وأنصف أفكاره التقدميّة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون  “بيت الحكمة” عبر نشر آثاره الكاملة في سلسلة منشورات سنة 2019 . ورد الكتاب في جزأين ضخمين، يتضمّن الجزء الأوّل الآثار الإبداعيّة(604ص)، فيها النصوص المسرحيّة والروائيّة المتصلة بإشكالات الصراع بين القيم المحافظة ذات الطابع الرجعي والآراء التحرريّة المتشبّثة بالأطروحات التقدميّة، معتمدا أسلوبا ساخرا يكشف عاهات اجتماعيّة وسياسيّة وأخلاقيّة، ويترجم وحشيّة الاستعمار الفرنسي والقوى الداعمة له مثل بعض “فقهاء المسلمين الذين منعوا الاجتهاد . . وكانوا حجّة للإسلام وحجّة للحماية في آن واحد لتأييد التقاليد والعوائد المحترمة” (الجزء الأوّل ص 24). فمن الطبيعي جدا أن تجهل العقول الممنوعة من الاجتهاد الأبعاد الحقيقيّة لمعاهدة باردو 12 ماي 1881، التي برّرت ما سمي بالحماية الفرنسيّة، ومن البديهي جدا أن ترفض العقول الممنوعة من الاجتهاد الفكر الحدادي التحديثي ( فكر الطاهر الحداد)، وأن تعادي منطق التجديد والخطاب التنويري، وهذا ما كشفه أحمد الدرعي في  ونصوصه المسرحيّة، والشعريّة ، والروائيّة بلغة تجمع بين مفردات الضاد الفصيحة وعبارات المعجم العامي .

ويحتوي الجزء الثاني(592 ص)على الآثار الفكريّة المتعلّقة بقضايا القياس، والشريعة بين أطروحات التقليديين المتشبثين بمنطق الجمود ومقاربات التجديديين المؤمنين بالاجتهاد وديناميكيّة النص من أجل تطوير الشريعة والنأي بها عن التوظيف السياسي البراغماتي والإيديولوجي الموجّه، كما تضمّنت الأعمال الفكريّة انتصار أحمد الدرعي للطاهر الحداد

ضد   “المتفيقهون . . الذين أغلقوا باب الاجتهاد ” (الآثار الفكرية ص68) في حين أن الإنسان لا يملك بيع نفسه للغير بأي ثمن ” (نفس الصفحة) أي لا يجوز لأيّ كان أن يفكّر لغيره نظرا إلى عدم مشروعيّة الوصاية الفكريّة، فالاجتهاد برأيه يتنزّل ضمن حرية الرأي ويختلف باختلاف ذهنية المجتهدين لأنّه شاشة المعرفة فلماذا نكسر زجاجتها؟  لقد أدخل الطاهر الحداد وفقا لأحمد الدرعي عنصرا جديدا في فهم الشريعة يتمثّل في “روح الإسلام” تجنبا للقراءة السطحيّة المركّزة على جزئيّة لا يمكن فهمها بعمق إلا متى وضعت في سياقها العام .

كما اهتمّت نصوصه الواردة في هذا الجزء بآفة التشبّث بالرئاسة  لأنّها أكبر علل الهلاك وخراب النسيج الاجتماعي و”تشتيت شمل الأمة”(ص211)، مقارنا بين الأنظمة الديمقراطيّة القائمة على مبدأ الإرادة العامة والأرستقراطيّة المرتهنة بالتعيين المتوارث، لذلك دعا في مقاربته  للنزاع على السلطة إلى “رفع المستوى الثقافي للشعب” من أجل مقاومة الاستبداد، منسجما في ذلك مع فلسفات التنوير المؤمنة بالوعي النقدي باعتباره خلاصا من عبوديّة الثيوقراطيين والأرستقراطيين وكافّة أشكال النظم القمعيّة . وفي سياق دفاعه على قيم العدالة والمساواة تجسيدا للمواطنة الحقيقيّة قاوم في مقالاته الصحفيّة مخاطر مجلة المرافعات الشرعية، فاضحا مواطن الفساد فيها انتصارا لمجلة الأحوال الشخصيّة، التي عارضوها باسم الدين مستهدفين مواطنة المرأة وفقا لأطروحته.  صفوة القول يعدّ أحمد الدرعي رمزا تنويريا على غرار كبار الفلاسفة والمفكرين التنويريين، لكن الاختلاف كامن في مستوى لعبة التسويق لأنّ الشعوب التقدميّة تصدّر رموزها، وتضخّم أحيانا الصورة اعتزازا بروّادها، وبلادنا ” تنتج الروّاد والمبدعين في كلّ فن ومجال، ولكنهم في الغالب مغمورون بين قومهم، لا يحتفى بهم في حياتهم، ولا ينالون من الإكرام حتى بعد موتهم” كما ورد في تقديم الآثار، الذي اختزل فيه المفكّر عبد المجيد الشرفي منزلة الدرعي الفكريّة والإبداعيّة، آملا أن تجد هذه الثروة المعرفيّة مكانة لدى المهتمين بالحقل الفكري والإبداعي إنصافا لمشروع تحديثي ذي نزعة تقدميّة  .   

مجموعة شعريّة

وما إلى ذلك

يحتوي الكتاب على مجموعة من الرسائل والنصوص الإبداعيّة، شعرا ونثرا، دفنها الأستاذ البشير بن سلامة “منذ ما يقارب السبعين سنة” وفقا لقوله الوارد في التمهيد، لذلك يمثّل كتاب “مجموعة شعريّة وما إلى ذلك . . .” مادّة ثريّة للنقّاد والباحثين المهتمين بفجر مسيرة الكاتب الإبداعيّة .  بوجيز العبارة تترجم هذه القصائد والنصوص قلق شاعر كأنّ الريح تحته إن استعرنا عبارة أبي الطيب المتنبي وحيرة كاتب انشغل منذ أوائل كتاباته بقضايا الشأن العام .

المعاناة و الخلق

الأساطير والحقائق

يتنزّل الكتاب ضمن المؤلّفات المهتمة بالعلاقة العضويّة بين المعاناة والخلق، فهو مجموعة دراسات علميّة لأكاديميين مختصين في علم النفس العيادي والمرضي مهتمين بسيكولوجيا الخلق و المعيش التراجيدي، والدوافع الواعية وغير الواعية في المجالات الإبداعيّة المختلفة، إذ تفكّك هذه الدراسات مفردات العيادة الفنيّة والتسامي والتصعيد عبر الخلق والإبداع .  كما يتضمّن الأثر مقاربات سوسيولوجيّة وتاريخيّة تتناول مفاهيم فلسفة الفن والميثولوجيا ، والأشكال التعبيريّة المتحرّرة من ضغوط السائد سعيا إلى نحت الكيان لأنّ الخلق تجربة وجوديّة بديلة رافضة للوجود الرتيب والتدابير الاجتماعيّة الكابحة .

الطوباويّة حاضرا

أيّ معنى للنزعة الطوباويّة اليوم؟ أين تتجلى مشروعيّة النزوع نحو المثل العليا؟ ما هي طبيعة الفوارق بين الطوباويّة الخياليّة الصرفة والفكر الطوبوي القابل للتجسيد؟ كيف تنهل الفنون من المعنى وإن كان أسطوريا؟

يقتحم الكتاب تضاريس هذه الإشكالات، إذ يتناول فيه أكاديميون وباحثون تونسيون وأوروبيون  المسارات التاريخيّة للطوباويّة، والفوارق بين النزعة الطوبويّة الموغلة في التجريد والأفكار الطوباويّة المؤثّرة في صناعة الأحداث التاريخيّة مثل إيتوبيا الفنون المتمرّدة والمؤسّسة للتجارب الوجوديّة البديلة، خاصة في ظلّ سياقات تحكمها قوى كابتة وإيديولوجيات رجعيّة .  

 

ولادات السياسة الحديثة

يندرج محتوى الكتاب ضمن المؤلفات المهتمة  بالفكر السياسي الحديث،حيث خصّصه الفيلسوف الفرنسي المعاصر بيار منان (Pierre Manent ) لأبرز الفلاسفة المؤسسين لهذا الفكر وولاداته المتعدّدة  .

ارتبطت الولادة الأولى بمؤسس التنظير السياسي الواقعي الفيلسوف الإيطالي مكيافلّي، الذي قطع حسب الكتاب مع الفلسفة السياسيّة التقليديّة القائمة على الوصايا الأخلاقيّة ، فالفكر السياسي برأيه مرتهن  بسياقه الواقعي، لذلك يعتبره بيار منان الأب الشرعي للملاحظة العلميّة في المجال السياسي .  وتمت الولادة الثانية حسب المؤلّف  مع الفيلسوف الانكليزي هوبس المسلّم بحتمية بناء العلوم السياسيّة وفقا للقواعد العلميّة، مدعّما الولادة الأولى بمأسسة الممارسة السياسية من أجل  إرساء نظام سياسي تعاقدي . وتترجم الولادة الثالثة التي تمثلها الفلسفة السياسية لدى جون جاك روسو الخواء الأخلاقي لإنسان الأنوار لأسباب مرتبطة أساسا بالتنشئة الاجتماعية، فالطبيعة الإنسانيّة خيّرة لكن نسيجها المجتمعي مفسد، لذلك ينزّل روسو المفردات السياسية ضمن سياقاتها الواقعية، لنستخلص قطيعة هذه الولادات  مع الفكر السياسي الطوبوي .

بيت الحكمة يثري المكتبة الوطنيّة بمؤلّف يتضمّن دراسة تشخيصيّة للنظام الوطني للدكتورا

هل يستجيب نظام الدكتورا في جامعاتنا لشروط البحث ومتطلّباته الماديّة والبشريّة تيسيرا لمسارات البحوث؟ هل تحترم الدراسات الدكتوريّة مقوّمات الميثاق الضامن للرهانات العلميّة؟ لماذا لا تهتم لجان الدكتورا بظروف عمل الطالب؟ كيف تتحدّد معايير التقييم؟

تلك هي أبرز الإشكالات التي يبحث فيها المؤلّف الذي نشره مؤخّرا المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” »دراسة في النظام الوطني للدكتورا « ، ويتضمّن الأثر دراسة أعدّها فريق من أعضاء مجمع “بيت الحكمة” وثلّة من المسؤولين المشرفين على البحث العلمي وعلى بحوث الدكتورا، ممّا يضفي على هذه الدّراسة “مصداقيّة لا شكّ فيها” ويجعل منها “وثيقة ثمينة يعتدّ بها في المستقبل” كما ورد في تصدير الدكتور عبد المجيد الشرفي رئيس المجمع.

تشخّص الدراسة السائد، مبرزة المواطن الإيجابيّة والثغرات الكامنة في النظام الوطني للدكتورا، ومن مظاهر تلك الإيجابيّات بوابة الأطروحات التونسيّة Thèses.tn إذ توفّر للمهتميّن قاعدة تتضمّن أساليب التسجيل والتراتيب المعمول بها والمؤسّسات ذات الصلة.

يظلّ النظام الوطني للدكتورا  وفقا للدراسة متسما بعديد الثغرات والإشكالات  المعيقة للنزاهة العلميّة ومسارات البحوث، فميثاق الدراسات الدكتوريّة لا تحظى آليات تطبيقه بتقارير دوريّة دقيقة وصارمة ضمانا لشروط البحث العلمي. كما لا تهتم لجان الدكتورا بالسياقات  التي يعمل ضمنها الطالب، مثل التمويل والتجهيزات والمنح الضروريّة، ولا توجد أحيانا لجان التأطير المنصوص عليها. وغالبا ما تكون “إجراءات التقييم والمصادقة مشوبة بالالتباس لاسيما في ما يخصّ تعيين المقرّرين”.

لم تكتف الدراسة بالتشخيص، بل احتوت على توصيات من أجل تجويد قدرات مدارس الدكتورا ولجانها، ومن بين  هذه التوصيات الدعوة إلى التحكّم الوطني في التكوين الدكتوري بإنشاء مجلس وطني للبحث والتكوين، فلا بدّ من هيئة ذات سلطة علميّة وأدبيّة، ودعت الدراسة إلى ضرورة تشريك المؤسّسات والتنويع التشغيلي واعتماد نظام الإعلام الوطني عن الدكتورا. كما تشدّد على ضرورة تطوير البوّابة thèses.rnu.tn والأطر التي تشتغل ضمنها لجان الدكتورا والكفاءات الباحثة.

ولا يمكن تطوير النظام الوطني للدكتورا وفقا لهذه التوصيات إن لم تكن الإصلاحات هيكليّة، لنستخلص أهميّة هذا العمل الذي أغنى به المجمع المكتبة الوطنيّة بشكل عام والمؤسّسات الجامعيّة بشكل خاص.

Download the PDF file .

تكوين الفكر العلمي والبيداغوجيّات التجريبيّة

هل تضطلع مؤسساتنا التعليميّة بمهامها التربويّة وفقا لجديد البيداغوجيات؟ هل تتضمّن مناهجنا التعليميّة الروح العلميّة الداحضة لأشكال الشعوذة والتقبّل السلبي؟  ما هي الشروط المثلى للقطع مع الدغمائيّة؟

تلك هي الإشكاليات التي يعالجها الكتاب الجماعي الصادر مؤخّرا عن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”  تحت إشراف الأستاذة سعاد كمون شوك، عنوانه “تكوين الفكر العلمي والبيداغوجيات التجريبيّة”، ويتضمّن المؤلّف فعاليات ندوة وطنيّة نظّمها قسم العلوم الطبيعيّة والرياضيات بالمجمع يومي 11و12 أكتوبر 2018 .

يؤكّد الدكتور عبد المجيد الشرفي في افتتاحيّته على أهمية “الفكر الصارم الذي يدقّق في المعلومات ولا يكتفي بالعموميات أو حفظ القواعد” في العلوم المختلفة، فمظاهر التعصّب والدغمائيّة ناجمة برأي رئيس المجمع عن وعي خال من البعد النقدي واعتماد مناهج تربويّة غير مواكبة للمسارات العلميّة، مذكّرا بنجاحات حقّقتها قوى دوليّة صاعدة بفضل سياسات تعليميّة ناجعة مثل سنغافورة الرائدة  تربويا . وفي نفس السياق شدّدت الأستاذة سعاد كمون شوك على شروط تكوين الروح العلميّة، منطلقة من الإيبستيمولوجيا الباشلارديّة (غاستون باشلار) ومقاربة “هنري بوانكاريه” لبنية العقل العلمي، ومفاهيم المعارف العقلانيّة والتطبيقيّة المقوّضة للمنطق التلقيني . وتنوّعت مضامين الكتاب  فاهتمّ البعض بأنتربولوجيا التعليم والتكوين على غرار  الأستاذ يسري الدالي، وتناولت مداخلات أخرى قضايا ايبستيمولوجيّة وسيكولوجيّة تحتّم إعادة النظر في مناهجنا التربويّة، انسجامامع مقتضيات علوم المسارات المهنيّة، كما تضمّنت الندوة ورشات علميّة أشرف عليها خبراء في علم النفس وأكاديميين ومفقدين من جنسيات عربيّةمختلفة، ومن منظّمات عالميّةوغربيّة كاليونسكو واليونيسيف وأكاديميّة الشباب العربي- الألماني للعلوم والإنسانيات،

  إذ أبرز كل المتدخلين  حتميّة تجديد أساليب التكوين والتعليم تناغما مع التحوّلات العلميّة وطبيعة السياقات الجديدة لأنّ كل وعي غير مدرك لتأثير السياق هو بالضرورة خارج التاريخ.

وتضمّن كتاب “تكوين الفكر العلمي والبيداغوجيّات التجريبيّة”   التوصيات التاليّة:

-ضرورة مواكبة مؤسّساتنا التعليميّة لجديد المناهج البيداغوجيّة،
-القطع مع الأساليب التعليميّة التلقينيّة من أجل تكوين فكر علمي قوامه الحس النقدي  والقدرة على الخلق،
-توظيف علم المسارات المهنيّة في الاستراتيجيات التربويّة احتراما لمؤهلات المتعلّم الذهنيّة وميوله النفسيّة،
-حتميّة اعتماد البيداغوجيا التجريبيّة لأنّها تمكّن المدرّس من استخراج السلوكيات التربويّة المتلائمة مع المتعلّم،
-المراهنة على البيداغوجيا الديناميّة الضّامنة لآلية التفاعل بين المتعلّمين والمدرّس قطعا مع البيداغوجيا الستاتيكيّة ذات الأسلوب العمودي،
-لا يجب أن تقتصر عمليّة التجريب على النزعة الاختباريّة، بل لابد من مقاربة عقلانيّة معتمدة على فرضيات بيداغوجيّة ومقاربات ايبستيمولوجيّة وسيكولوجيّة،
-تعزيز التعلّم السياقي باعتباره عمليّة تربويّة تتداخل فيها القواعد النظرية وفرضيّات التجريب،
-التكوين المستمر للمكونين نظرا إلى تجّدد المناهج البيداغوجيّة على نحو مطّرد، وتعدّد المقاربات مثل التجريبيّة والديداكتيكيّة والتعلّم عن بعد . . .،
-اعتماد مناهج التعوّد التدريجي على التفكير الإشكالي والنقدي منذ الطفولة لأنّ الفعل التربوي تراكمي،
-انسجاما مع المنجزات العلميّة التي قطعت مع اليقين والوثوقيّة لابد من مراجعة المناهج التربويّة التقليديّة المنتجة للوعي الدّغمائي،
-ضرورة الوعي بأهميّة الأسلوب التربوي التنسيبي للحقائق باعتباره شرطا ممهّدا لثقافة الاختلاف والتنوّع والتشجيع على البحوث العلميّة والفضول المعرفي وكافّة أشكال الخلق،
-تعميم مشروع المدرسة الحديثة التجريبيّة بمدينة شنني ولاية قابس،
-تدعيم مخابر مؤسّسات التعليم بالتجهيزات والمعدّات الضروريّة،

-تنظيم الملتقى سنويا للتقييم ومواكبة جديد المناهج التربويّة، 

محاضرات بيت الحكمة 2017-2018

يحتوي الكتاب على مقاربات فكريّة، ودراسات أدبيّة، وبحوث علميّة، قدّمتها نخبة من الأكاديميين المختصين والباحثين خلال أيّام دراسيّة وندوات ولقاءات أسبوعيّة، نظّمتها الأقسام العلميّة بالمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” على امتداد سنتي 2017-2018. تهتم مضامين الكتاب بإشكالات أدبيّة وثقافيّة وكلاميّة، إلى جانب قضايا الفكر الإصلاحي وجديد البحوث العلميّة ذات الصلة بتحديات التنمية وعلوم الإتقان.


من آثار مصطفى عبد الرازق

يعدّ مصطفى عبد الرّازق من مؤسسي المناهج العلميّة في البحوث الفلسفيّة العربيّة، ومن أبرز الدّاعمين لتطبيق جديد النظريّات الغربيّة مثل المنهج الفيلولوجي والتّاريخي، كما يعتبر مقارعا عنيدا للجمود الفكري ومن أهم الدّعاة إلى العقلانيّة، كذا هو محتوى كتاب “من آثار مصطفى عبد الرّازق التي نشرت ولم تجمع” تحقيق  عبد الله الزرلّي.

 يحتوي المؤلّف على نصوص شديدة التنوّع لمصطفى عبد الرّازق (1885-1947)، يتعلّق بعضها باستجوابات ورسائل ومقدّمات لأعمال أدبيّة وفلسفيّة، إلى جانب محاضرات في لقاءات علميّة ومنتديات أدبيّة وخطب سياسيّة تترجم نزعته التحديثيّة الرّافضة لهيمنة الأسلوب الدّيني، فلا يمكن برأيه الخلاص من الفكر الدّغمائي إلاّ عبر “مقاومة مظاهر الجمود العلمي”.

متعة الأسماع في علم السماع

كيف تؤثّر الألحان في النفوس الإنسانيّة؟  هل تنجح فعلا الصناعات الموسيقيّة في الاضطلاع بمهام علاجيّة؟ أيّ دور للآداب والفنون في تحرير الإنسان من التزمت والوعي المعادي للتنعم بمباهج الحياة؟ كيف يتصدى الإبداع  للجمود وقيم الانحدار؟ هل تتضمّن فعلا سياقاتنا العربيّة القديمة والوسيطة مرجعيات فكريّة وإبداعيّة مقاومة للتزمت وكبح الحريات الفرديّة؟  

تلك هي أبرز الإشكالات التي يتناولها كتاب “متعة الأسماع في علم السماع” لأحمد بن يوسف التيفاشي القفصي، الذي حقّقه الأستاذ رشيد السلامي، ونشره  المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” ضمن سلسلة منشوراته العلميّة والأدبيّة والفنيّة لسنة 2019.   ويتضمّن المؤلف برأي المحقّق “وثائق فريدة من نوعها ”   تتعلّق بالمدوّنات الموسيقيّة وعالم  الرقص  والمجالس الأدبيّة وطقوس الغناء في بلاط السلطة شرقا وغربا. لذلك يعدّ الكتاب وفقا للأستاذ رشيد السلامي “وثيقة لا نعرف لها مثيلا في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة” .  وقد نجانب الصواب لو اختزلنا أهمية الأثر في ندرة الوثائق ذات الصلة بمدونة أغاني إفريقيّة والفنون الأندلسيّة والمجالس الأدبيّة وطقوس التنعّم برغد العيش، بل إن المسألة تتخطى تلك التخوم، متجسدة في مضامين فكريّة وإبداعات داحضة لأطروحات سائدة حول قضايا دينيّة والتجارب الحسيّة وهوامش التسامح في حقب يقدّمها البعض في ألوان قاتمة .  فمن الطبيعي أن يثري هذا الكتاب ” المكتبة التونسيّة والعربيّة وحتى الكونيّة . . بما يجلي عن الأذهان ما علق بالإسلام وأهله من أوهام التزمت المقيت والتوظيف الإيديولوجي الفج ”  كما ورد في تقديم رئيس المجمع الدكتور  عبد المجيد الشرفي . إنّه إثراء للمكتبة الكونيّة نظرا إلى أهمية الإشكالات التي تطرّق إليها، فالموسيقى التي يستوعبها البعض على أنّها الاستمتاع الجمالي المحض، صنّفها  التيفاشي ضمن

الحلول العلاجيّة الناجعة لأمراض عصيّة عن الطب، مؤكّدا على أن “تأثير الألحان ساريا في نفوس الإنسان والحيوان، مؤثرا فيهما بالنشاط ونفي الأحزان” .  لنستخلص ممّا  تقدّم عمق مقاربته للإبداعات الموسيقيّة في القرن الثالث عشر الميلادي،  والجدير بالذكر أنّها لازالت محلّ محاكمة أخلاقيّة لدى بعض أطروحات القرن الحادي والعشرين، وتجهل مكانتها الاستيتيقيّة ووظيفتها العلميّة أطروحات أخرى، كما تتنزّل  قراءة التيفاشي لوظائف الموسيقى نفسيا وأنطولوجيا ضمن الردود المعرفيّة على مركزيّة بعض الثقافات، التي تدعي اكتشافها لهذه الحقائق وتسحب من غيرها جهودا موثقة في مؤلفات على غرار كتاب متعة الأسماع في علم السماع، المشدّد على أن “الغمّ والهمّ  يكدّر الدم ويفسده”، ولكن إذا سرّت النّفس بالألحان والنّظم وشجن الأعمال الموسيقيّة “تروّق الدم وجاد الهضم والاستمراء”،  إنّه سحر المسرّة بسماع الإيقاعات والألحان برأي صاحب متعة الأسماع في علم السماع .  ألم تؤكّد مدارس علم النفس الحديثة وجاهة هذه المقاربة!   ألم تصبح الموسيقى اليوم جزءا هاما من الطب البديل! ألم تعتمد العيادات النفسيّة أساسا الإبداعات الموسيقيّة لترويض السيكولوجيات الباتولوجيّة!  بل اكتشفت العلوم المعاصرة قيمة العمل الموسيقي في علاقة بالكائنات الحيّة الأخرى مثل النبات .  كما يترجم  الكتاب  النزعة التحرريّة لكاتب قاوم المحظور وتمرّد على التدابير الاجتماعيّة والقيم السائدة حيث خاض معيشه على نحو اختاره، فلم يمارس الرياء الديبلوماسي في حضرة الأوصياء الرسميين وغير الرسميين، لنستشف مكانة آثاره في المكتبة الكونيّة المؤمنة بالذات المريدة  .


رؤوف بن ناصر 1945-2019

“قراءة سيرته الذاتيّة كفيلة وحدها بالدلالة على فرادة الرجل وسعة علمه . . ولئن كانت مؤهلاته الذاتيّة هي المفسّرة في الدرجة الأولى لنجاحه وتفوّقه في مجال اختصاصه، فإن عاملين أساسيين قد ساعدا هذه المؤهلات على الظهور: أوّلهما هو الخلية الأسرية التي نشأ فيها . . أما العامل الثاني فهو مدرسة الجمهورية”، كذا هو موقف الدكتور عبد المجيد الشرفي من فقيد المجمع والمجموعة العلميّة التونسيّة والعالميّة الأستاذ رؤوف بن ناصر حسب كلمة رئيس مجمع بيت الحكمة الواردة في الكتاب الذي أصدره المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون”بيت الحكمة” بمناسبة تنظيمه لأربعينيّة الراحل . ولم يكن الفقيد رمزا من رموز البحث العلمي في المؤسسات والجامعات التونسيّة فحسب، بل أسهم في أنشطة المخابر والكليات العالميّة، فهو أستاذ تعليم عال في الفيزياء، ومستشار لدى الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة بفيينا، والرئيس السابق للجمعيّة التونسيّة للفيزياء، وعضو بالجمعيّة الفيزيائيّة الأمريكيّة . لذلك اعتبره الأستاذ عبد الرزاق بن فرج “علما من أعلام الفكر وطودا من أطواد الجامعة . . وكفاءة مهنيّة عالية يشهد بها كل أساتذة وباحثي مادة الفيزياء”، بل هو ” أحد مؤسسي الفيزياء والمادة المكثفة” وفقا لشهادة الأستاذة سامية شرفي قدور . صفوة القول تجمع كل الشهادات التي تضمّنها جديد منشورات المجمع على فرادة باحث ناطق بسبع لغات وفقا لشهادة ابنته ليليا بن ناصر فرح، مؤكّدة إلمامه بعديد العلوم مثل المعلوماتيّة وعلم الفلك، وعشقه للموسيقى، مرسّخا لديها هواجس المعرفة والتعلّق بثقافة الاحتفال بالوجود، لقد رحل جسده وظل يسكن عقلها ومشاعرها بطقوسه وقيمه .

مصطفى الفيلالي 1921-2019

تكريما للرموز الفكريّة والأعلام الوطنيّة والكفاءات الإبداعيّة، نظّم مؤخّرا المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” أربعينيّة الفقيد مصطفى الفيلالي، وأصدر بهذه المناسبة كتابا يوثّق مكانة الراحل فكريّا وسياسيا ونقابيا . جمع الفقيد “بين الاهتمامات العلميّة والمشاغل الفكريّة النظريّة . . ساهم مساهمة فعالة في بناء دولة الاستقلال” كما ورد في كلمة رئيس المجمع الدكتور عبد المجيد الشرفي، المشدّد على نضاليّة مصطفى الفيلالي “في نطاق الاتحاد العام التونسي للشغل”، لذلك نزّل تنظيم المجمع للأربعينيّة في إطار الاعتراف بمسيرة الفقيد الثريّة. قد غاب إلى الأبد لكنّه سيظل حاضرا في الذاكرة على دوام على حد عبارة الأستاذ الشادلي العياري، الذي ركّز في شهادته على قيّمه، وسمات شخصيّته ومواقفه السياسيّة الجامعة بين المسؤوليات السياسيّة والإداريّة من جهة، والحس النقابي من جهة ثانيّة، منسجما في ذلك مع شهادة الأستاذ محمد الكيلاني، منسّق فعاليات الأربعينيّة، فالفقيد برأي الكيلاني رجل الجمع بين الصرامة والتسامح، بين الهزل والجد، بين الممارسة السياسيّة والتنظير الخ . . وذكّر بمسيرته الإعلاميّة في الإذاعة الوطنيّة منذ سنة 1943، فضلا عن مساهماته في عديد المجلات والصحف . ومثّلت إسهاماته في المجال الإعلامي قاسما مشتركا بين أغلب الشهادات، حيث تناولت شهادات زملائه ومعاصريه عدم مساومته في مجالات حريّة التفكير والإصداع بآرائه، وذلك ما أهّله “ليكون أحد الأعضاء الخمسة الشرفيين بالمجمع” مثلما ورد في كلمة الأستاذ عبد المجيد الشرفي . وتخطى إشعاعه الحدود الوطنيّة والإقليميّة نحو العالميّة، ممّا مكّنه من تحمّل مسؤوليات دوليّة على غرار تجربته العماليّة العالميّة “فانتدبته منظّمة العمل الدوليّة وكلّفته بالقيام بدراسات في العديد من المشاكل الاجتماعيّة والنقابيّة الدوليّة ” حسب قول أستاذ القانون الصادق بلعيد . وبإمكان القارئ الاطلاع على عديد التفاصيل الأخرى المميّزة لمسيرة الغائب – الحاضر مصطفى الفيلالي في شهادات أخرى تضمّنها جديد منشورات المجمع التونسي “بيت الحكمة ” تخليدا لتجربة جمعت بين حقول دلاليّة تداخل فيها التنظير والإبداع والنضال السياسي والنقابي .

محمد رشاد الحمزاوي1934 -2018

غالبا ما يحلّق كل كاتب بجناح من أجنحة البحث والإبداع التزاما بمقتضيات التخصّص، لكن بعضهم يحلّق بجناحين أو أكثر مثل الأستاذ محمّد رشاد الحمزاوي المحلّق في كوسموس ضروب المعرفة بأجنحة متنوّعة، لقد كتب الرواية والقصّة وأنتج البحوث العلميّة في مجالات المعجميّة وقضايا الألسنيّة، وأثرى الإعلام الثقافي بإسهامات كبرى في الحوليات والإنتاج التلفزي، درّس بعديد الجامعات وحاضر بالمنابر والمعاهد العالميّة، كذا هو الفقيد وفقا لمداخلات زملائه وشهادات الأكاديميين والمبدعين الذين أثّثوا فعاليات الأربعينيّة التي نظّمها مؤخّرا المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”. إسهاماته في حقول المعرفة والثقافة والإعلام عديدة وبرحيله فقدت تونس علما من أعلام الثقافة والبحث الأكاديمي، بهذه العبارات افتتح رئيس المجمع الأستاذ عبد المجيد الشرفي اللقاء التكريمي مبرزا ثراء مسيرة الراحل علميا وإبداعيا، إذ جمع بين البحث العلمي في مجال المعجميّة والإنتاج الإبداعي رواية وقصّة ، إلى جانب المادة الإعلاميّة ذات العلاقة بالثقافة والأدب، وفي سياق أعماله الأدبيّة قدّم الأستاذ محمود طرشونة مداخلة حول أبرز روايات وقصص الحمزاوي، من بينها رواية “بودودة مات” الصادرة في ستينات القرن الماضي والمجموعة القصصيّة “طرننو تعيش وتربي الريش”، مؤكّدا تعدّد كتاباته التي شملت عديد الأجناس الإبداعية حيث كتب الأعمال المسرحيّة . كما ركّزت مداخلات أخرى على بحوثه العلميّة وتحديدا في مجالات المعجميّة واللسانيات حيث وضّح الأستاذان محمّد صلاح الدين الشريف وإبراهيم بن مراد دوره في تأسيس المبحث المعجمي في الجامعة التونسيّة، بل تتجاوز إسهاماته في تلك العلوم الخارطة التونسيّة لتشعّ عربيا وعالميا، مما يفسّر ما ناله من جوائز، إضافة إلى إشرافه على بحوث ودراسات بجامعات عربيّة ومجامع عالميّة. وعليه كانت المشاريع المعجميّة هاجسه المعرفي الجوهري لذلك “مات محمّد رشاد الحمزاوي وفي نفسه شيء من المعجم” على حد عبارة الأستاذة فاطمة الأخضر.

Download the PDF file .

Pin It on Pinterest

Agence de création site web en Tunisie

2019 © Beit al Hikma